قصة الطبيب العربي الحارث بن كلدة مع كسرى

اذهب الى الأسفل

قصة الطبيب العربي الحارث بن كلدة مع كسرى

مُساهمة من طرف حميد الله أبو محمد في السبت أبريل 03, 2010 8:57 am

حكى الفرغاني عن بعض رجاله قال: وفد على كسرى ملك الفرس الحارث بن كلدة طبيب العرب، فأذن له بالدخول، فمثل بين يديه فقال له كسرى: من أنت؟ قال: أنا الحارث بن كلدة. قال: أعرابي أنت؟ قال: نعم من صميمها. قال: فما صناعتك؟ قال: طبيب. قال: فما تصنع العرب بالطبيب مع جهلها، وضعف عقولها، وقلة قبولها، وسوء غذائها؟ فقال: ذلك أجدر أيها الملك، إذ كانت بهذه الصفة، ان تحتاج إلى من يصلح جهلها، ويقيم عوجها، ويسوس أبدانها، ويعدل أمشاجها. قال الملك: كيف لها أن تعرف ما نزوره عليها، لو عرفت الحق لم تنسب إلى الجهل. قال الحارث: أيها الملك، إن الله جل اسمه قسم العقول بين العباد كما قسم الأرزاق، وأخذ القوم نصيبهم، ففيهم ما في الناس من جاهل وعالم، وعاجز وحازم. قال الملك: فما الذي يحمد من أخلاقهم ويحفظ من مذاهبهم؟ قال الحارث: لهم أنفس سخية، وقلوب جرية، وعقول صحيحة مرضية، وأحساب نقية، يمرق الكلام من أفواههم مروق السهم العائر، ألين من الماء، وأعذب من الهواء، يطعمون الطعام، ويضربون الهام، وعزهم لا يرام، وجارهم لا يضام، ولا يروع إذا نام، ولا يقرون بفضل أحدٍ من الأنام، ما خلا الملك الهمام، الذي لا يقاس به أحد من الأنام.
قال: فاستوى كسرى جالساً، ثم التفت إلى من حوله؛ فقال: أطرى قومه، فلولا أن تداركه عقله لذم قومه، على أني أراه راجحاً. ثم أذن له بالجلوس فقال: كيف بصرك بالطب؟ قال: ناهيك. قال: فما أصل الطب؟ قال: ضبط الشفتين، والرفق باليدين. قال: أصبت الدواء، فما الداء؟ قال: إدخال الطعام على الطعام، هو الذي أفنى البرية، وقتل السباع في البرية. قال: أصبت. ثم قال: فما الجمرة التي تلتهب منها الأدواء؟ قال: هي التخمة، إن بقيت في الجوف قتلت، وإن تحللت أسقمت. قال: فما تقول في الحجامة؟ قال: في نقصان الهلال، في يوم صحو لا غيم فيه، والنفس طيبة، والسرور حاضر. قال: فما تقول في الحمام؟ قال: لا تدخل الحمام شبعان، ولا تغش أهلك سكران، ولا تنم بالليل عريان، وارفق بجسمك يكن أرجى لنسلك. قال: فما تقول في شرب الدواء؟ قال: اجتنب الدواء ما لزمتك الصحة، دعه فإذا أحسست بحركة الداء فاحبسه بما يردعه من الدواء؛ فإن البدن بمنزلة الأرض، إن أصلحتها عمرت، وإن أفسدتها خربت. قال: فما تقول في الشراب؟ قال: أطيبه أهناه، وأرقه أمراه، ولا تشرب صرفاً يورثك صداعاً ويثر عليك من الداء أنواعاً. قال: فأي اللحمان أحمد؟ قال: الضأن الفتي وأدسمه أمرؤه، واجتنب أكل القديد المالح، من الجزور والبقر. قال: فما تقول في الفاكهة؟ قال: كلها في إقبال دولتها، وحين أوانها، واتركها إذا أدبرت وتولت وانقضى زمانها. وأفضل الفاكهة الرمان والأترج، وأفضل البقول الهندبا والخس، وأفضل الرياحين الورد والبنفسج. قال: فما تقول في شرب الماء؟ قال: هو حياة البدن، وبه قوته، وينفع ما شرب منه بقدر، وشربه بعد النوم ضرر، وأفضل المياه مياه الأنهار العظام، أبرده وأصفاه. قال: فما طعمه؟ قال: شيء لا يوصف، مشتق من الحياة. قال: فما لونه؟ قال: اشتبه على الأبصار لونه، يحكي لون كل شيء يكون فيه. قال: فأخبرني عن أصل الإنسان ما هو؟ قال: أصله من حيث يشرب الماء. يعني رأسه.
قال: فما هذا النور الذي تبصر به الأشياء؟ قال: العين مركبة من أشياء، فالبياض شحمة، والسواد ماء.
قال: فعلى كم طبع هذا البدن؟ قال: على أربع طبائع: على المرة السوداء، وهي باردة يابسة؛ والمرة الصفراء، وهي حارة يابسة؛ والدم، وهو حار رطب؛ والبلغم، وهو بارد رطب. قال: فلم لم يكن من طبع واحد؟ قال: لو خلق من شيء واحد لم ينحل ولم يمرض ولم يمت. قال: فمن طبعين ما حال الاقتصار عليهما؟ قال: لو اقتصر عليهما لم يجز؛ لأنهما ضدان يقتتلان، ولذلك لم يجز من ثلاثة: موافقان ومخالف. قال: فأجمل لي الحار والبارد في أحرف جامعة. قال: كل حلو حار، وكل حامض بارد، وكل حريف حار، وكل مز معتدل، وفي المر حار وبارد. قال: فما أفضل ما عولج به المرة السوداء؟ قال: بكل حار لين. قال: فالرياح؟ قال: الحقن اللينة والأدهان الحارة اللينة. قال: أفتأمر بالحقن؟ قال: نعم، قرأت في بعض الكتب: أن الحقنة تنقي الجوف، وتكسح الدواء عنه، وعجباً لمن احتقن كيف يهرم أو يعدم الولد، وإن الجاهل كل الجاهل من أكل ما قد عرف مضرته، فيؤثر شهوته على راحة بدنه. قال: فما الحمية؟ قال: الاقتصاد في كل شيء؛ فإنه إذا أكل فوق المقدار ضيق على الروح ساحته.
قال: فما تقول في إيتان النساء؟ قال: كثرة غشيانهن رديء، وإيتان المرأة المولية فإنها كالشن البالي، تسقم بدنك، وتجذب قوتك، ماؤها سم قاتل، ونفسها موت عاجل، تأخذ منك ولا تعطيك. عليك بإيتان الشباب، فإن الشابة ملؤها عذب زلال، ومعانقتها غنج ودلال، فوها بارد، وريحها طيب، ورحمها حرج، تزيدك قوة ونشاطاً. قال: فأي النساء القلب لها أبسط، والعين برؤيتها آنس وأقصد؟ قال: إن أصبتها مديدة القامة، عظيمة الهامة، واسعة الجبين، عريضة الصدر، مليحة النحر، ناهدة الثديين، لطيفة الخصر والقدمين، بيضاء فرعاء، جعدة غضة، حسنة الثغر، تخالها في الظلمة بدراً زاهراً، تبسم عن أقحوان باهر، وإن تكشف تكشف عن بيضةٍ مكنونة، وإن تعانق تعانق ما هو ألين من الزبد، وأحلى من الشهد، وأعذب من القند، وأبرد من الفردوس والخلد، وأذكى ريحاً من الياسمين والورد.
قال: فاستضحك كسرى حتى اختلجت كتفاه، قال: فأي الأوقات أفضل؟ قال: عند إدبار الليل يكون الجوف أخلى، والنفس أشهى، والرحم أدفا. قال: فأي الأوقات ألذ وأطرب؟ قال: نهاراً، يزيدك النظر انتشاراً. قال كسرى: لله درك من أعرابي، لقد أعطيت علماً، وخصصت بفطنة وفهم. ثم أمر له بجائزة وكسى، وقضى حوائجه.
avatar
حميد الله أبو محمد
طالب نووي
طالب نووي

عدد المساهمات : 503
النقاط : 32483
التقييم : 3
تاريخ التسجيل : 31/03/2010
الهوايات : قراءة التاريخ الإسلامي، كرة القدم، قراءة القرآن الكريم



معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصة الطبيب العربي الحارث بن كلدة مع كسرى

مُساهمة من طرف لؤي محمد يسري في الثلاثاء أبريل 06, 2010 8:33 am

شكرا لك على المجهود
avatar
لؤي محمد يسري
طالب نووي
طالب نووي

عدد المساهمات : 334
النقاط : 31585
التقييم : 1
تاريخ التسجيل : 02/04/2010
العمر : 23
الموقع : www.google.com
الهوايات : football


معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قصة الطبيب العربي الحارث بن كلدة مع كسرى

مُساهمة من طرف Mahmoud Nour--Cr9 في الثلاثاء أبريل 06, 2010 6:29 pm

شكرا لك على هذة المساهمة الطيبة
avatar
Mahmoud Nour--Cr9
طالب نووي
طالب نووي

عدد المساهمات : 322
النقاط : 31700
التقييم : 0
تاريخ التسجيل : 31/03/2010
العمر : 22
الموقع : www.madridista.hooxs.com
الهوايات : كرة القدم


معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى